من خان الشعب الكوردي؟

يقول بيرنارد - هنري ليفي، الفيلسوف الفرنسي اليهودي الشهير، في مقالٍ له كتبه بالفرنسية بأن الكورد الذين قاتلوا ضد إرهاب داعش عامين متواصلين، حيتما أعلنوا عن رغبتهم في الاستقلال، أدارت لهم الولايات المتحدة ظهرها، وأن ما جرى مؤخراً لهذا الشعب الذي كافح عقوداً طويلةً من الزمن ضد كل أشكال الطغيان في المنطقة يمزّق القلب. ويمدح الفيلسوف النظرة الكوردية للإسلام، فهم يأوون الأقليات الدينية برحابة صدر، ويتلاقون مع العلمانيين والديموقراطيين ويقدمون قيمهم ومبادئهم للعالم بشكلٍ متحضّر، ويقول بأن هنا شعبٌ صغير ولكنه عظيم، فقد بنى سوراً إنسانياً عظيماً أمام هجمات هذا الوباء الإرهابي الذي اجتاح المنطقة وتصدى له بتضحياته العظيمة.    

كما يتطرّق الكاتب إلى أنه كان شاهداً على إعادة البيشمركة الكوردية المسيحيين الفارين من هجمات الإرهابيين إلى قراهم ومواطن سكانهم، وتنفسوا الصعداء بقرب القضاء التام على البرابرة المهاجمين، فأعلن رئيسهم مسعود بارزاني رغبته في معرفة رأي شعبه في مصيره ومستقبله ، حين رأوا قبساً من نور في آخر النفق المظلم الذي عاشوا فيه ردحاً من الزمن. وكان بارزاني حذراً في خطوته هذه وأعلن بأنه لا يزال حريصاً على الحوار مع الحكومة المركزية وسيستمر فيه بعد الاستفتاء على الاستقلال أيضاً، وكان الاستفتاء في 25/9.

​ويتساءل الفيلسوف عما يتوقعه المرء أن يحدث!

فيقول بأن "الأصدقاء" تصرفوا تصرف المستعمرين والآباء الروحيين القدامى، فشرعوا في محاولة فرض ما يريدونه على الكورد، بأن قالوا: إن الوقت غير مناسب لممارسة هذا الحق ، وإن البيشمركة التي قاتلت بشكلٍ عظيم من أجل القضاء على إرهاب داعش، ليست في تلك المرحلة التي يحق لهم فيها تقرير مصيرهم ومصير أولادهم بأنفسهم ، وعليهم الانتظار إلى ما بعد انتخابات العراق في عام 2018 وسنرى كيف نقرر نحن مصيرهم لهم.

​ويذكر الكاتب الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية الأمريكية للسيد رئيس الشعب الكوردي مسعود بارزاني، عارضاً عليه مبالغ طائلة من المال لقاء تأجيل الاستفتاء ، عندما رأى أن الكورد بأغلبيتهم الساحقة عازمون على المساهمة في الاستفتاء، ويرى بأن المقارنة الأمريكية بين وضع جنوب كوردستان في العراق الفيدرالي الفاشل مع وضع كاتالونيا في اسبانيا التي تجذرت وتعمقت فيها الديموقراطية خاطئ. 

​ويستغرب كيف قام العالم الحر الديموقراطي بأسره، باستثناء إسرائيل، بالدفاع عن هذا العراق الذي كان ساحة حروب مستمرة، كحرب بوش وصدام حسين، وبدأوا يتحدثون ​   ​عن "وحدة أراضي العراق" و"سيادة العراق" و"أمن واستقرار" العراق، الذي لم يستقر في يومٍ من الأيا​​م .                                   ويسرد الكاتب كيف أنه كان شاهد عيان على المعاملة السلبية التي تلقاها الكورد لأنهم صوتوا بأغلبية ساحقة للاستقلال ، وكيف استعر الحقد في كلٍ من إيران وتركيا وسوريا، الدول التي تم تمزيق الكورد بينها، فتعالت أصوات الوعيد والتهديد ضد الاقليم ، وطالب العراقيون بأن يلغي الكورد نتيجة الاستفتاء خلال ثلاثة أيام ، كما أن أحداً في العالم الديموقراطي لم يكن مستعداً للرد على اتصالات رئيس الوزراء الكوردي نيجيرفان بارزاني الذي سعى للتحدث مع الأوربيين والأمريكان بصدد استعداد الكورد للحوار بعد الاستفتاء الديموقراطي مع الحكومة المركزية ، ثم يتطرّق إلى مسلسل الخيانة  ضد  الشعب الكوردي منذ 15 أكتوبر 2017، وكيف تضافرت جهود إيران مع الحكومة الاتحادية

​​وجزء من الاتحاد الوطني الكوردستاني يترأسه بافل ابن جلال طالباني المنافس التاريخي للحزب الديموقراطي الكوردستاني منذ زمنٍ طويل.  ​    ​          ​                    ​ 

​يعتقد الفيلسوف أن الأوربيين الديموقراطيين خانوا حلفاءهم، ويذكر في هذا الصدد كيف تحسّر الجنرال  سيروان بارزاني أمامه، ذلك الذي تم استقباله فيما مضى استقبا​ل​​ ​الأبطال في قصر الأليزيه ، حيث أعرب عن أسفه لأنه كان يعتقد بأن الزمن قد تغير، والغربيون يفكرون الآن فيما هو أبعد من مصالحهم الضيقة فقط ، وأن هناك مدافعين عن قيم الحرية والديموقراطية ، ثم يعرض مأساة الخيانة وتدخل الحرس الثوري الإيراني والحشد الشعبي بإشراف المندوب الإيراني العام في العراق قاسم سليماني الذي هدد بأن يقوم بكل ما يلزم لتسديد الضربة لسياسة البيت الأبيض في العراق.  ويسرد خيانة بعض جنرالات الكورد التابعين للاتحاد الوطني وتراجع البيشمركة بعد معركة طاحنة في طوز خورماتو، حتى نفذت ذخيرتهم، ولأن انسحابهم كان تكتيكاً ضرورياً من الناحية العسكرية، يتحوّل الفيلسوف من الحديث عن ساحات الرعب في كوردستان إلى انتقاد السياسة الغربية بصدد كوردستان إجمالاً، ويعتقد أن السياسة الأمريكية الفاشلة هي التي سكتت عما فعله النظام السوري بشعبه ، رغم أنه قصفه بالغازات الكيميائية ، وأن هذه السياسة الفاشلة هي التي تعتبر حكم الملالي في إيران إرهابياً، إلاّ أنها تقف في وجه استقلال الحلفاء الكورد الذين يقاومون هذه السياسة الإرهابية، كما يستغرب كيف يسمح الغربيون وأمريكا خاصة لبوتين صاحب المجازر في الشيشان سابقاً، وراعي النظام السوري حالياً  ومغتصب أوكرايينا أن يصبح سيد الموقف للمنطقة ويظهر الآن كفارس نبيل على جوادٍ أبيض في العراق وسوريا ، ويعلن عن عقوده النفطية من خلال روس نفط مع حكومة إقليم كوردستان .                                                                          

يتحدث الفيلسوف عن سياسة "عدم التدخل" لإنقاذ الأقليات والشعوب، في التاريخ الحديث، كما جرى لدى غزو السوفييت لتشيكوسلوفاكيا، والتأخر في مساعدة شعب البوسنة والهرسك ، وكذلك في رواندا ، وغيرها ، وكيف أن السفير الفرنسي في الأمم المتحدة ، حاول طرح مشروعٍ في 18-19 أكتوبر يذكر فيه الحق الشرعي للشعب الكوردي، فتحول النص تحت ضغط الدول الأخرى، ومنها إنجلترا إلى نصٍ يدافع عن "وحدة أراضي العراق: وإدانة لاصطياد الكورد في شوارع كركوك فقط . من دون أي إدانة أو ذكر لتدخل الحرس الثوري الإيراني في الشأن الكوردي وفي كركوك الغنية بالنفط .

هذا الفيلسوف الذي راقب عن كثب القتال الضاري لبيشمركة كوردستان ضد إرهاب داعش دفاعاً عن قيم ومثل العالم الحر الديموقراطي على طول الجبهة التي تقارب الألف كيلومتر في عامي 2016 و2017 ونال على فيلمه الوثائقي جائزة تقدير خاصة من مهرجان كان السينمائي ،  يدين موقف الصمت للعالم  تجاه العدوان الإرهابي الشرس لحكومة العبادي والحرس الثوري الإيراني على كركوك وكوردستان عموماً ، ويرى أن اعتبار المسألة التي تمس مصير شعب، وإرادته في العيش حراً مستقلاً ، مجرّد مسألة فرض إرادة بوليس اتحادي في العراق "الدولة الافتراضية" بهدف تحقيق الأمن والاستقرار، أشبه بما قاله الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران قبل 40 عاماً بصدد موضوع دانتسيك، حيث قال كلمته الشهيرة: "بالطبع نحن لن نفعل شيئاً."  وفي النهاية يقول متفائلاً -  كفيلسوف -  بالنسبة له شخصياً ولأولئك الذين يعتبرون مثله من "الشعوب غير الضرورية" أو "غير الهامة" يدرك جيداً أن المستقبل يدوم زمناً أطول.                                                     إنه حقاً مقال مؤثر، يجدر قراءته أكثر من مرة.