تدمير عفرين أم تحرير إدلب؟

تعاني مدينة عفرين الكوردية، من الحصار والحرب الاقتصادية محلياً وإقليمياً، وتجاهل إعلامي متعمّد منذ أكثر من ست سنوات، على هذه المدينة التاريخية بهويتها القومية الكوردية، التي قد تعصف بها بنادق تركية، وتهدّد مصير 70 مليون شجرة زيتون بالحرق أو القطع «هل تساءلت يوماً، كم يبلغ عمر أقدم شجرة زيتون معمّرة في عفرين؟»، تبلغ عمرها أكثر من 200 سنة، بعضها تتواجد في ساحة قرية حجيكا فوقاني التابعة لناحية راجو «عمر قرية حجيكا فوقاني 300 عام». إن قنوات روداو وكوردستان 24 و NRT وحتى روناهي، قصّرت بحقها، ولم تخصّص وقتاً أو برامج معينة، تسلّط الضوء فيه على هذه المدينة، وإبرازها للرأي العام العالمي والدولي، وما تواجهها من مصائب وويلات ومخاطر مستقبلية، ومن كل الجهات، من إدارات تديرها وتستقوي عليها، ودول جارة تستهدفها بفصائلها الإرهابية، وأحزاب خارجة عن الخدمة وتتاجر باسمها.

إن السيناريو الذي تكرّر في مدينة جرابلس، الواقعة غرب نهر الفرات، سيتكرّر في مدينة إدلب بشكل أو بآخر «أين يختفي عناصر داعش وحواضنها الشعبية فور تحرير المناطق والمدن منهم؟ لعلّ أدوات الحلاقة والاغتسال تلعب دورها!»، فبين مرحلة صعود جبهة النصرة أو فتح الشام وهيمنتها على إدلب، ومرحلة الانحدار التي توشك أن تتحوّل أمراً واقعاً في القريب العاجل، ثمّة قاسم مشترك أساسي حول تصعيد وتخفيض دور التنظيمات الإرهابية التي تستهدف غربي كوردستان، هو اللاعب التركي. فتركيا كاللاعب والحكم، «تتحالف مع الجميع، وتصبح ثعلباً في وجه الجميع!!»، ذو تأثير مزدوج، في مسار جبهة النصرة الإرهابية، ومثلها مثلٍ مسارات صعود تنظيم داعش وتخفيض دورها في بداية ونهاية معركة كوباني في 2014 ، وكما حقّقت تركيا حكومة وشعباً مكاسباً من استثمارات داعش في المرحلتين، ها هي تتهيّأ اليوم لتكرار نفس السيناريو، وجني مكتسبات انحدار جبهة النصرة، كما جنَوا ثمار صعودها.

حقيقة عندما تخطّط أي دولة للتدخل العسكري في شؤون دولة أخرى، فإنها تبدأ بتدخّل استخباراتي وخرق في الأنظمة الإدارية ، وهذا ما تفعله تركيا الآن ، وسابقاً دول أخرى، كإيران وروسيا وأمريكا، وفيما يتعلق بدور تركيا وأهدافها في معركة إدلب المعقدة والمتشعّبة، هناك سؤال كبير يطرح نفسه: ”ماذا تريد تركيا من تدخّلها العسكري، تدمير عفرين أم تحرير إدلب؟“. للإجابة على هذا السؤال، يجب الإجابة على بعض الأسئلة المهمة، والتي جميعها خيارات واردة جداً في هذه المعادلة، من حيث تحقيقها، وتحوّلها إلى واقع.

– هل تريد تركيا القضاء على التقدّم الكوردي، بالسيطرة الكلية على عفرين، وخلق حزام أمني متين حولها، والتفاوض عليها، مع الرئيس مسعود بارزاني وإدارة قنديل؟

– هل تريد أن تثبت لأمريكا التي تخلّت عنها «لمَ تخلّت أمريكا عن تركيا؟»، في أنها قادرة على أن تتحالف مع قوة أخرى، كروسيا مثلاً، باعتبارها قوة متنفّذة، ومدرّب منظّم في تحريك سيرورة المفاوضات الجارية في أستانة، بين إيران والنظام البعثي من جهة، وتركيا والمعارضة السورية من جهة أخرى؟

– هل تسعى الآن بتدخلها العسكري هذا، وضد تنظيمات إرهابية خلقتها وغذّتها ودعمتها، لحجز مقعد لها في التسوية السياسية السورية؟

أم أنها تريد التغزّل بالنظام السوري، بترميم علاقاتها السابقة معها، وإعادتها بشكل استراتيجي، والتي توقفت منذ بداية الثورة؟ لكن الأمر المؤكد أن أمريكا وروسيا متفقتان على جرّها الى المستنقع السوري، وكلاهما تريدان الاستفادة منها.

تعمل الإدارة التركية – منذ انطلاقة شرارة الثورة السورية – على هدفين أساسيين، أولهما (هدف داخلي)، الذي يرمي إلى تحقيق النمو الاقتصادي، وسدّ العجز المالي في موازنات الدولة. ثانيهما (هدف خارجي)، الذي عملت به تركيا جاهدة، في تحقيق صفر مشاكل مع المحيط الإقليمي الملتهب والمخترق دولياً وعالمياً.

لكن؛ إدارة أردوغان تخبطت كثيراً، وتحدّت الرؤوس الكبيرة، مما دفعت أمريكا الى توريطها مع روسيا، وإجبارها بعدّة طرق على التدخل العسكري، وقد ظهر ذلك عندما تركتها أمريكا يوم إسقاط الطائرة الروسية على الأراضي التركية. عندما أدرك أردوغان أنه غير قادر على مجابهة الروس، وأن الأمريكان تخلوا عنه، وفكّوا شراكة التحالف معه «أمريكا تعطي تركيا درساً في التمادي والتحدّي»، غيّر بوصلته، بالاقتراب من روسيا، والتنسيق معها في أعلى درجاته ، ولعلها أول خطوة ناجحة من الأمريكان ، لاستدراجها نحو الهاوية والتهلكة ، ليصبح شرقها مسرحاً للحرب كما كل الشرق، في ظل وجود أوراق تركية حسّاسة بيد أمريكا، وهي قادرة على تحريكها ضدّها ، كالقضية الكوردية النائمة ، وورقة فتح الله كولن، والورقة العلوية «لو كانت حدود تركيا وسوريا تحدّان أمريكا، لكان الأمريكان احتلوا تركيا وسوريا اليوم».

يمكن تلخيص أهداف تركيا الاستراتيجية في معركة إدلب، والتي جاءت بموافقة روسية وأمريكية، وبمباركة إيرانية، على عدة محاور:

المحور الأول: اتفاق الأحزاب التركية ضد الكورد:

قد تختلف الأحزاب التركية على كافة القضايا والمسائل، داخلياً وخارجياً، لكنها تتفق على قضية واحدة، التصدّي لأي محاولة لإنشاء إقليم فيدرالي كوردي في غربي كوردستان، لأن هكذا إقليم أو مشروع يرعبهم، وقد يؤدّي إلى تشجيع شمالي كوردستان «القضية الكوردية في شمالي كوردستان في غيبوبة مشدّدة»، على العمل والمطالبة بحقها، خاصة وأن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومن جانب واحد وبإقصاء شريكه المجلس الوطني الكوردي (ENK-S) أصبح أكثر طموحاً ورغبة في التقدّم باتجاه مدينة عفرين، عن طريق منبج وجرابلس، اللتان تعتبران حلقة وصل مهمة ونقطة استراتيجية، لربط كوباني ببقية المدن الكوردية أو كانتوناته.

المحور الثاني: التكتيك أم الاستراتيجية؟

أنقرة تقول إن عمليتها في إدلب عملية تكتيكية، تهدف لإقامة منطقة رابعة لخفض التوتر «خفض التوتر نوع آخر من الحروب. ثم روسيا وسوريا قادرتان على إنشاء مناطق خفض التوتر بطيرانهما وجنودهما. فلماذا تعولان هذه المهمة لتركيا؟!!»، أولها في الغوطة الشرقية قرب دمشق، وثانيها وسط حمص، وثالثها أجزاء من جنوب سوريا «تراقبها قوات روسية أكاديمية»، ورابعها إدلب هي مَن ستشرف عليها، وذلك تمهيداً للمفاوضات وتماشياً مع محادثات أستانة الأخيرة، إلا أن هذا الأمر مجرّد حبر على الورق، وحالة شكلية لا قيمة لها في السياسة، فأنقرة تصرّ على ربط منطقتي عفرين وإدلب، وإدارتها عن طريق السنّة، لقطع الطريق على ربط كانتونات PYD بعضها ببعض، إذاً تدخلها هو تدخل استراتيجي، يهدف لإيقاف التقدّم الكوردي، وإفشال مشروعه الوطني السوري وليس القومي الكوردي «مشاريع PYD تفتقر إلى الطابع الكوردي».

المحور الثالث: دورها في اتفاقيات التسوية:

هي تريد من خلال العملية الجديدة وسابقاتها، فرض نفسها كرقم مهم، وحجز مقعدها في طاولة تسوية الأزمة السورية سياسياً، بعد أن تتوقف الحرب في غالبية الجبهات المشتعلة؛ إذ أنها تدرك جيداً أن مَن يملك دوراً سياسياً وحضوراً عسكرياً على الأرض، ستكون له كلمة مفصلية في رسم مستقبل سوريا.

المحور الرابع: إعادة ترتيب الحدود:

أردوغان قالها لساسة حزبه، أنهم إن لم يذهبوا إلى سوريا، فستأتي سوريا إليهم، في إشارة إلى أنه يجب على أنقرة أن تتخذ الإجراءات الأمنية والعسكرية، لإعادة ترتيب حدودها مع حدود سوريا، التي تتلاشى وتتقسّم، أو ستسقط القنابل على مدنها، ويلتهب حدودها، خاصة وأن قرب جغرافيتها ومصالحها تجبرها على التورّط في النزاع السوري، ولو برياً، وهو ما يتطلب فرض الطاعة مجدداً لأمريكا التي تخلت عنها بشكل مؤقت «الأمريكان يقولون أن الخريطة التركية كبيرة على تركيا»، أو لروسيا التي تقترب منها بحذر شديد «تسطو موسكو اليوم على مركز القرار في أنقرة».

المحور الخامس: فتح ممرّ مع السنّة العرب:

لطالما نصب أردوغان نفسه كخليفة عثماني، فهو يحاول إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية ، وعلى حساب دماء شعوب المنطقة ، وذلك بفتح ممرات بينها وبين العالم العربي السنّي «روسيا وتركيا ترسمان حدود الإقليم السنّي في سوريا!»، إلا أن الكورد يقفون كشوكة فولاذية في وجه هذا المشروع، ويجب عليه المحاولة لصهر هذه الشوكة، بأي طريقة كانت، إلا أنه قد يحرق نفسه.

إن التوتر في العلاقة التركية – الأميركية يشكل أهم دوافع التقارب التركي مع كل من روسيا وإيران، وضمنياً النظام السوري، حيث انتقلت العلاقات التركية – الإيرانية بعد زيارة أردوغان لطهران، من المواجهة غير المباشرة في العراق وسوريا، إلى مسار للتعاون العسكري والأمني في مواجهة التقدّم الكوردي الصاعد، ونتائجه المستقبلية على شمالي وشرقي كوردستان، وهو ما يتطلب تغييراً في المواقف والتحالفات، بضرورة الاتفاق والتعاون ضد حزب العمال الكوردستاني، بشقيه التركي والإيراني.

بالعودة إلى النقطة الرئيسية، والتي تتعلّق بدور الأحزاب الكوردية، وضرورة التوحّد ومواجهة التطوّرات القادمة، التي ستلقي بأثرها الأكبر على عفرين، فأين الكورد من تدخل تركيا في إدلب، وتهديد الأمن والاستقرار الكورديين، وهل أمريكا ستتخلّى عنهم مقابل أن تتورّط تركيا أكثر وأعمق في المأزق السوري، وتنقلب الطاولة فوق رأسها ؟ أم أن سيناريو كوباني قد يتكرّر في عفرين، وتنقلب الطاولة على الشعب، دون سواه؟

المجلس الوطني الكوردي يفقد مصداقيته كممثل سياسي أول أو ثاني للشعب الكوردي، ضمن المعارضة العربية، أما حزب الاتحاد الديمقراطي فيكسب الشرعية من الشعب وبطرق غير شرعية. أما المعارضة السورية، وعلى رأسها الائتلاف «ائتلاف إسلامي» عارضت وبشد ة، ومنذ بداية تأسيسها التدخل العسكري الدولي ، إلا أن جميع الدول تدخلت بشكل تدريجي غير مباشر ، وبموافقة ضمنية من كبار أعضاءها السياسيين وضباطها العسكريين «معارضة مأجورة، كشفت عن عهرها السياسي، في أنها نسخة معدّلة عن النظام البعثي»، أضف أنهم اليوم يطبّلون ويزمّرون على هذه التدخلات، معلّقين عليها الآمال، معتقدين أنهم سيطيحون بالأسد ونظامه، إلا أن كل المؤشرات تدل على أنهم مع مصالحهم ومصالح الأسد.

 يجب وفي نهاية الكلام، أن أشير إلى نداء كوردي أطلقه بعض المواطنين الكورد، وقد وقعت عليه ، لما له من ضرورة راهنة وأهمية مستقبلية، بالنسبة لقضية غربي كوردستان، فالنداء موجّه أولاً إلى المجلس الوطني الكوردي، ودعوته إلى سحب قياداته من مدينة اسطنبول إلى جنوبي كوردستان ، بسبب السياسة العدائية للدولة التركية، لتطلعات الشعب الكوردي في الأجزاء الأربعة، خاصة وأن حكومة إقليم كوردستان لم تُقصّر مع المجلس، لا دبلوماسياً بفتح المجالات الأوربية أمامه، ولا مادياً بتخصيص ميزانية مالية له، ولا حتى إعلامياً. وأيضاً دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى ترك سياساته الانفرادية والدكتاتورية، وضرورة قبول الآخر المختلف، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ، وإغلاق ملف التجنيد الإجباري، والسماح بفتح المكاتب لجميع الأحزاب بدون ترخيص، كونه هو نفسه غير مرخّص، وإنما سلطة أمر واقع.

لعلّ هذا النداء هو أفضل الحلول وأمتنها وأمثلها للكورد في غربي كوردستان، وقد يكون عاملاً قوياً، في سبيل الوقوف ضد التدخل التركي الموجّه والمُركّز قبل كل شيء على ضرب الكورد، والهيمنة على مشروعهم.

ويبقى التركيز على أهمية وحقيقة مدينة عفرين أو جبل الكورد، ببعدها القومي والتاريخي، ضرورة وحاجة ملحّة، خاصة وأن الدراسات والمقالات في الوسط الثقافي العربي السوري كثرت وتعقّدت جراء التلاعب بحقائقها، وكلها كانت تشير إلى أن سكانها قدِموا منذ زمن ليس ببعيد، وحلّوا محلّ العرب السكان الأصليين لعفرين، وما إن تطلّب الأمر ذكر اسم عربيّ واحد كان يسكن المنطقة قديماً، ثم تمّ تهجيره من قبل الكورد، حتى احتاروا في الجواب، لأنه في الحقيقة لن يشاهد عربياً تعود أصوله القديمة إلى عفرين، وهُجِرَ منها، فتاريخها – بحسب الباحثين المعاصرين – يعود إلى القرون الوسطى، أي الفترة ما بين 476 – 1453م، وعهدي الأيوبيين والصليبيين.

*كاتب وصحفي كوردي