اللعب الإقليمي بالنيران الكورديّة

جرى الحديث كثيراً، طولاً وعرضاً، عن قوّة التجربة التركيّة على صعيد العلمانيّة، الديمقراطيّة، والنمو الاقتصادي، وكفّ يد العسكر عن السياسة، والعلاقة بين الإسلاميين والديمقراطيّة والعلمانيّة ودولة المؤسسات والمواطنة... الخ، وأن هذه التجربة مدعاة للفخر والاعتداد والاحتذاء والاقتداء لدى العلمانيين والليبراليين العرب قبل الإسلاميين. ولكن هذا الافتتان والمديح والإعجاب تراجع حتى على مستوى الإسلاميين أيضاً، وبقي محصوراً في الجماعات الأخوانيّة والتي تميل ميل "داعش" و"النصرة" والفصائل الجهاديّة السلفيّة والتكفيريّة التي تتغذّى على الطائفيّة والتكفير في أصول وفقه نظم الحكم والإدارة والتفكير.

أطقم كاملة من هذا الاعجاب بالتجربة التركيّة بنسختها الأردوغانيّة، كانت تكال للتجربة الخمينيّة في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، على أنها "ثورة وطنيّة" وليست إسلاميّة وحسب، وثورة إسلاميّة وليس طائفيّة، وثورة المظلومين والمستضعفين ضد ظغمة نظام الشاه ودكتاتوريّته...الخ. وتشكّلت حشدود من المثقفين العلمانيين والحداثويين والليبراليين في إطار حياكة ودباجة الإعجاب والاطناب والتغنّي بالتجربة الخمينيّة في إيران، والحضّ على الاقتداء بها، وضرورة تقديم الدعم والتأييد والمساندة. كذا الحال على المقلب السوري الـ"حافظ أسدي"، وتوريثه الحكم لـ"الاسد الصغير"، أيضاً تمّ تقديم النظام السوري ونمذجته على أنه "وطني"، و"مقاوم"، و"قلب العروبة النابض..." إلى آخر تلك المدائح التي كانت تقال وتكال للخمينيّة والأردوغانيّة.

مناسبة هذا الكلام، هي الممانعة التي تفصح عن نفسها في لبوس القبول ودعم حق الكورد في الاستفتاء على تقرير مصيرهم، مهما كانت نتائج هذا الاستفتاء، سواء أفضى إلى الاستقلال أم لم يفضٍ!. هذه الممانعة المتدثّرة بالقبول والموافقة، تبرز نسقاً من المبررات أثناء إبداء التحفّظ على الاستفتاء، تتعلّق بالتوقيت، وليس بحق الاستفتاء وتقرير المصير من حيث المبدأ، على أن من حق الكورد الاستفتاء وتقرير المصير، ولكن ليس الآن!. طبعاً، التحجج بالتوقيت، هي القشرة الخارجيّة المطلية بالموافقة والتأييد، وتحت هذه القشرة موقفٌ رافضٌ له من الأساس. وبعد أن ثبت هشاشة ودجل وبل إفلاس مواقف الرفض، لجهة ركاكة حججها، لجأ الكثيرون إلى "التقية" وإعلان التأييد المقرون بـ"لكن". ومعلوم أن ما بعد "لكن" ينسف ما قبلها. كأنّ يقول قائل: "انا من حق الكورد في تقرير مصيرهم، وتأسيس دولتهم. ولكن، ليس الآن، نظراً لكذا! وكذا! وكذا!...". وغالب الظن أن المشككين في قانونيّة الاستفتاء وحق الكورد في تقرير مصيرهم،  يتجاهلون الكثير من المواثيق والعهود الدوليّة الداعم للاستفتاء وتقرير المصير، منها:

1-  إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، المعتمد من قبل الجمعية العامة برقم 295/61، بتاريخ 13/9/2007. ويقضي بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

2- ميثاق الأمم المتحدة المنشور سنة 1945، الذي يعتبر النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. ويقضي في المادة (2) بالتسوية في الحقوق بين الشعوب. وأن لكل  منها حق تقرير مصيرها. كما ورد في المادة 73 منه، وتنص على أن يقرر أعضاء الأمم المتحدة الذين يضطلعون في الحال أو في المستقبل بتبعات عن إدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي، المبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول، وأمانة مقدسة في عنقهم.

3- العهدان الدوليّان الخاصّين بالحقوق المدنيّة، السياسيّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة والثقافيّة سنة 1966، وينصّان في المادة 1؛ بأن "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحق، حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي  لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

4- برنامج عمل فيينا؛ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان 1993- المنصوص في مادتيه 2 و8: "لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير. ويسلّم بحق الشعوب في اتخاذ أي إجراء مشروع وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، لإعمال حقها من أجل التخلص من السيطرة الاستعمارية أو غير ذلك من أشكال السيطرة الأجنبية أو الاحتلال الأجنبي".

5- الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب سنة 1981، في مادتيه 19 و20 ينصّ: "إن الشعوب كلها سواسية. ولكل شعب الحق في الوجود. وله حق مطلق ثابت في تقرير مصيره. وللشعوب أن تحرر نفسها من أغلال السيطرة. واللجوء إلى كافة الوسائل التي يعترف بها المجتمع. ولجميع الشعوب الحق في الحصول على المساعدات من الدول الأطراف في هذا الميثاق، في نضالها التحرري ضد السيطرة الأجنبية، سواء  كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية".

6- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 لسنة 1970 الداعم لقضايا الشعوب المضطهدة، أقر حق تقرير المصير للشعوب التي تعيش في مناطق مستعمرة، والشعوب المحلية، والأقاليم  التي تم ضمها بالقوة دون استفتاء شعبي حر …الخ".

7- الدستور العراقي لعام 2005، يذكر في ديباجته: "إن الشعب العراقي آلى على نفسه، بكل مكوناته وأطيافه، أن يقرر بحريته واختياره الاتحاد بنفسه". وورد أيضاً: "إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضا وسيادةً". وتبنى الدستور أسلوب التوزيع العادل للثروة. وذكر في المادة الأولى: "هذا الدستور ضامن لوحدة العراق".

ولكن، هل التزم الجانب العراقي (العربي) بهذا الدستور؟!. ألم يتم تعطيل المادة 140 منه؟. ألم يتم إيقاف صرف ميزانية إقليم كوردستان على مدى سنتين؟!. أصلاً، الجانب الكوردي كان أكثر احتراماً والتزام من الجانب العربي بالدستور العراقي. ومع ذلك، يتم الحديث عن ضرورة احترام الدستور، و"لادستوريّة الاستفتاء"!، و"لاقانونيّة الاستفتاء وحق تقرر المصير"؟!. وأثناء إبراز هذه الحقائق والمعطيات القانونيّة والدستوريّة الداعمة للحق الكوردي في الاستفتاء والاستقلال، وإظهار لادستوريّة ولا قانونيّة الاعتراض والمعترضين، يلوذ البعض إلى التقيّة وإبداء الموافقة، مع اللجوء إلى "لكن"!. وحتى في هذه أيضاً، ثمة هشاشة وركاكة في المنطق، بحيث تنحصر حجج ومبررات هؤلاء بما هو موجود بعد "لكن" التي يتوارون خلفها!. على ان الاعتراض على التوقيت وحسب. ثم تكرّ سبحة الحجج؛ وأن إجراء الاستفتاء والمضي نحو الاستقلال سيؤدي إلى تفكك العراق وانقسامه. وتسرّب النيران إلى إيران وتركيا وسوريا. نظراً للوجود القومي والجغرافي الكوردي في هذه البلدان أيضاً. وفي هذا الوجه من الاعتراض على التوقيت، ثمّة تأكيد على وجود أزمة بنيويّة في جوهر وتأسيس هذه الدول، قائمة على شيء باطل، يهدده الحق الكوردي الأصيل في تقرير المصير والاستقلال. هذا الباطل القائم على منع الكورد من حقهم في تقرير مصيرهم قبل مئة سنة خلت، يُراد الاستمرار فيه لمئة سنة أخرى. ذلك أن هذه الدول الأربع الآنفة الذكر، ومنذ انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة وحتى هذه اللحظة، لم تنتج إلا دولاً فاشلة موبوءة بالازمات الداخليّة الخانقة، دول مركزيّة القوميّة والدين والمذهب (إيران الخيميّة، وتركيا الاردوغانيّة)، ومركزيّة القوميّة والطائفة والحزب والعائلة (عراق صدام + عراق الحشد الشيعي، وسوريا الاسد الأب والابن)، هكذا دول حكمتها هكذا انظمة، لم تنتج وتنضج، حتى هذه اللحظة (1947-2017) دولة وطنيّة قادرة على الاعتراف بكل مكوّنات مجتمعاتها، هل يمكن التعويل عليها بأنها ستنتج وتنضج تجارب وطنيّة حقيقيّة كاملة وعميقة بعد 70 سنة أخرى، كي يؤجّل الأكراد حقهم في الاستفتاء على تقرير مصيرهم؟!. ثم أن المعترضين على توقيت الاستفتاء، بحجة وجود الأزمات، لا يحددون السقف الزمني الذي يمكنه أن تطوي فيه هذه الدول والمجتمعات أزماتها، حتى يتقدّم الكورد إليهم بطلب حق تقرير مصيرهم. من دون أن نسهو عن أن هذه النظم والدول والنخب، وهي في حال التضعضع والعجز والاحتراب والتمزق...، ترفض حق الكورد في تقرير مصيرهم، فكيف سيكون حال رفضها هذا، إن هي تجاوزت أزماتها ومآزقها؟!. بكل تأكيد، ربما تكون أكثر شراسة من نظام صدام حسين الكيماوي!.

الحقّ أن هذا المنطق في الرفض، يضم طيفاً واسعاً، متعدد المستويات والأوجه، ربما أحدّ درجاته أو أكثرها اعتدالاً ما كتبه معارض سوري، محامي وعضو قيادي في الائتلاف السوري "المعارض" على صفحته في الفيسبوك بالقول: "من العدل والمنطق، إذا فكّر الأكراد بالاستقلال، أن نقف مع قطعان الشيعة ضدهم"، في إشارة منه إلى تهديدات حيدر العبادي والحشد الشعبي (الشيعي) لكوردستان العراق وقيادته. هذا الشخص، باعتباره منتمياً لمؤسسة سوريّة "معارضة" يخوّن ويكفّر العلويين والشيعة، ليلاً نهاراً، ويطالب بنحرهم. ولكنه مستعدّ للتعاون معهم ضدّ الكورد. هذا يعني في ما يعنيه، أن منزلة الكورد لديه، أحطّ من منزلة الشيعة والعلويين، تجريماً وعقاباً!. ومع ذلك، يتحدّث هذا الشخص، وأمثاله كُثر، عن الدولة المدنيّة، ويعطون دروساً ومواعظاً في فقط الوطنيّة والمواطنة والدولة الوطنيّة!. كذلك كان حال قادة العراق الحاليين، حين كانوا معارضة، اغدقوا الوعود وقطعوا العهود على دعم حق الكورد في تشكيل دولتهم. وما أن استلموا الحكم، حتى ذاب ثلج الكلام المخملي، وبان "مرج" الأحقاد والكراهية والتفكير العدواني.

المشكل في الأمر أن هذا النسق من التفكير والمزاج القومي، الطائفي، يمثّل السواد الأعظم لدى النخب الموالية والمعارضة للنظم الحاكمة في العراق، سوريا، تركيا وإيران!. مع وجود قلّة قليلة، تزداد تضاؤلاً من الشخصيّات الديمقراطيّة الوطنيّة الحرّة والحقّة التي تعلن وقوفها مع حق الكورد، ولا تخشى في ذلك لومة لائم. ولا يتسع هذا المقال لذكر أسماءهم/ها.

وكعيّنة أخرى على هشاشة وركاكة منطق الرفض والتهديد والوعيد لكورد العراق، ما قاله وزير الدفاع التركي أنهم "يرفضون دولة على أساس عرقي على حدودهم" لكأنّ تركيا ليست دولة على أساس قومي وعرقي، بل أساس موسيقي مثلاً؟!. كذلك الناطق باسم الحكومة التركيّة بكر بوزداغ، صرّح قائلاً: "الاستفتاء بمثابة قنبلة موجهة إلى أمن واستقرار ورخاء منطقة الشرق الأوسط"!. "أمن"!، "استقرار"!، و"رخاء"!، وأين؟ في منطقة الشرق الأوسط!. والذي يهدد كل ذلك، هو الاستفتاء الكوردي!؟. وكي يؤكّد بوزداغ موقفه ورأيه، يلفت الانتباه إلى "وجود جزء من الكورد في شمال العراق، يرفضون إجراء الاستفتاء". وهو بهذا، يرى جزءاً، ولا يرى باقي الاجزاء الأخرى. ولا يساءل نفسه عن الـ49 بالمئة الذين قالوا: "لا" لتحويل حزب العدالة والتنمية النظام الحاكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، وهل انصت بوزداغ وحزبه لهؤلاء الذين هم نصف الشعب التركي تقريباً؟!. ويختتم موقفه ورأيه قائلاً: "بارزاني يلعب بالنار"، لكأنّ تركيا ومنذ 1984 وحتى هذه اللحظة، تلعب بالماء؟!، ولا تتخبّط في دماء مواطنيها من الكورد والترك !. زد على ذلك، التهديدات التركيّة لكوردستان العراق، هو اللعب بالنار، وليس أقلّ من ذلك.

الحقّ أن بيان الخارجيّة السعوديّة حيال الاستفتاء الكوردي، على هدوئه وتوازنه، لكنه لا يعطي ضمانات حقيقية وجديّة تطمئن الكورد. أصلاً السعوديّة، لا تمتلك تلك القوّة في العراق التي تخوّلها تقديم ضمانات وتطمينات أكيدة لكورد العراق. لأن إيران ممسكة بكل خيوط اللعبة. في حين أن الكورد بحاجة إلى ضمانات حقيقيّة، إقليميّة ودوليّة، لأنهم فقدوا الثقة في حكّام العراق وداعميهم. الكورد ليسوا بحاجة إلى كلام جميل، قائم على تطييب الخواطر، ويمسك العصا من المنتصف. في مطلق الأحوال، من مصلحة العربية السعوديّة ودول الخليج، استقلال كوردستان. لما يشكّله ذلك من ضربة قويّة للمشروع الإيراني في المنطقة.