العراق وثقافة الحروب الأزلية

 

لا نُنكِر ونحنُ في طريقنا لإجراء الاستفتاء في إقليم كوردستان حول الاستقلال أو البقاء ضمن دولة العراق كمن يسير في طريق خَطِر مُلغم بالتكهنات الحربية جنباً إلى جنب مع التوقعات باستقرار وضع يُرثى له منذ ما يزيد عن عشر سنوات ذهبت سُدى مماطلات حكومة العراق حول الملفات العالقة بينها وبين حكومة الإقليم.

وحَريٌ بالجانب العراقي أن يتقبل قرار الكورد في إجراء الاستفتاء بالرضا والامتنان لأننا سوف ننهي مهزلة المباحثات وإرسال الوفود من الطرفين دون جدوى .

لقد كنا ولا زلنا نحن الكورد ضمن العراق وفقدنا عشرات الالاف من الشهداء ونحن ندافع عن حق وجودنا كـ( مكوِّن عراقي ) ضمن خارطة العراق الواحد في كل فترات الحكم العربي ( سنيّ ثم شيعيّ ) لما يقارب من ستين عام ذهب ضحية صبرنا على ذلك الوضع أعداد لا تحصى من القتلى والجرحى والمفقودين والمُهجّرين ، ولازلنا الى وقتنا الحاضر نقف مدافعين عن حقنا كبشر وكأننا من المحكوم عليهم بالعيش مؤبداً في منظومة الدفاع، والبقاء دائماً في محطة الانتظار عسى أن تاتي حكومة عراقية تنصف هذا ال( المكوِّن العراقي ) من طائلة التحسبات العسكرية والتهديد المستمر بالخنق الاقتصادي في حال طالب بإيفاءات مالية أو في حال مطالبته بحق الانفصال بعد طول انتظار غير مُجدِ .

وحين ضاعت عشرات الفرص في تقريب وجهات النظر العربية الكوردية وفقدان إمكانية التوصل إلى حلول مُرضية دون هضم حقوقنا الكوردية لجأنا لقرار الاستفتاء ثم الانفصال، فصاروا يهددوننا بالحرب في حال رفضنا التخلي عن فكرة الاستفتاء ومن ثم الاستقلال . فماذا نفعل مع سياسيات القتل والتهديد المستمر لأمننا واستقرارنا سواء بقينا أم انفصلنا ؟

كما وأنّ سياسة العراق لم تكتفِ عند هذا الحد، بل وقامت بشراء ذِمم كوردية لصالحها وإعطائها ضمانات مستقبلية في حال وقوفها ضد مشروع رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني في حق تقرير المصير الكوردي، ونجحت بكسب جوانب حزبية كوردستانية لم تكن منذ أمد بعيد ذات صيت وشعبية لولا توافر حرية التعبير وحرية الفكر وحرية الاختيار والانتماء ضمن سياسة حكومة الإقليم منذ أكثر من عشرين عاماً مضى .

ربما الجو السياسي ينذر بفقدان ضحايا استقلالنا عن العراق، لكنها لن تكون بالقدر الذي سيكون عليه في حال بقائنا ضمن هذه الدولة التي لم يستطع جهازها الدفاعي المحافظة على أرواح المواطنين وأملاكهم على مدى عمر الدولة العراقية .

لذا نرجو من الإخوة العرب أن يقرروا مصيرهم أيضا حول الاستقلال عن ايران أو البقاء في محورها.

فالحقيقة التي ندركها بعد تجربة داعش المريرة هو أن العراق لم يعد لأهل العراق ، ملايين من عرب العراق الشيعة والسنة تهجّروا في البدء الى سوريا والأردن وتركيا وبعد سنوات الى دول الغرب وأمريكا ولم يعودوا للعراق حتى بعد أنْ ولى زمن الدكتاتورية الانفرادية ، لأن زمن جديد من التسلط الطائفي أمسك بدفة البلد ، مع أنه أغلب العرب العراقيين في المهجر كانوا ينتظرون سقوط نظام صدام ليعودوا الى مدنهم وبيوتهم إلا إن ذلك لم يتحقق بسبب الشحن المذهبي والطائفي الذي غزا فكر الناس على يد سياسيي العراق الجديد ولأسباب أخرى كثيرة تتعلق بالفساد الإداري والمحسوبيات والمنسوبيات ونظام الرشاوي والقتل على الهوية وتزايد عدد الميليشات المسلحة التي تحكم الشارع من خلف نظام حكومي هش جداً .

لم نشهد من مسرح العراق الجديد سوى انفعالات سياسة طائفية داخلية وخارجية ، وشحن امتدّ لثمان سنوات حكمها المالكي ضد الإخوة عرب السنة ، انجرّ خلفها الكثير من إخوتهم الشيعة وخلقوا جوّاً من الرعب والخوف من الآخر ، ولم ينجح العبادي فيما بعد في تأسيس بيت عراقي يلم شمل عرب المذهبين من دون أن يكون لتأثيرات المذهب الواحد والسياسة المطاطية لمنصب المالكي الجديد - ومن خلفهِ إيران - دور في إفشال خطط السلام التي كانت في نية العبادي تنفيذها ، وصارت اليوم بعد أكثر من ثلاث سنوات في خبر كانَ .

في هكذا ظروف لا نعرف الى متى هي مستمرة، كيف لنا نحن الكورد أن نخضع لقوانين بلاد ظلت سياسات حكوماتها تزاول قطع الأرزاق وإلغاء رواتب أبنائنا من موظفين وقوات البيشمركة وسياسة التهديد والوعيد في حال فكّر الكورد بالانفصال والاستقلال ؟

وكيف للمُكوّن الكوردي أن يثق بفرص حياة طبيعية دون تهديدات طائفية لو وصل نزيفها الديني للإقليم لأحرق الأخضر واليابس معاً ؟

أخر ما يمكننا قوله هو أن يترك الآخرون لنا حرية تقرير مصيرنا وينتظروا نتيجة ذلك ، وعلى ضوئهِ نتمنى أن يحدد أيضاً شعب العراق ممثليهم في حكومة عراقية جديدة تنفع في إدارة بلاد غلبها الفقر رغم غناها ، وغلب أهلها التهجير رغم سعة أراضيها ، وغلبها الجهل رغم عراقة تاريخها الثقافي قديماً .