نشبه الكورد، وماذا عن الحق في تقرير المصير..!!

يُصوّت الكورد ، في الأسبوع الأخير من أيلول الجاري، على استفتاء لتقرير المصير. ومن المُنتظر أن تكون النتيجة بنعم خطوة أولى على طريق إنشاء دولة كردية مُستقلة في كوردستان العراق. 
من حيث المبدأ البقاء في دولة واحدة أفضل، ولكن من حيث المبدأ، أيضاً، حق الجماعة القومية في الانفصال وإنشاء دولة تخصها لا جدال فيه. وبقدر ما أرى، ويعنيني، الأمر، لا يمكن إلا أن أكون مع نتيجة الاستفتاء.
ومع ذلك، لا قيمة للموقف الشخصي ما لم يصدر عن، ويتجلى في، سياق أعرض، أي على خلفية التعقيدات السياسية، والحساسية الأخلاقية، والتداعيات "النظرية"، لكل كلام محتمل عن الحق في تقرير المصير، في مكان وزمان محددين.
وأوّل ما يتصدّر التعقيدات السياسية أن دولاً فاعلة في الإقليم، كتركيا وإيران، وفي كليهما أقليات كردية وازنة، تُعادي مشروع الدولة الكورد ية المُستقلة في كوردستان العراق. 
ولدى القوتين ما يكفي من الأوراق، على الأرض، وتشابك المصالح مع النفوذ في العلاقات الدولية، ما يمكنهما من ترجمة العداء إلى عراقيل وعقبات لا يسهل تجاوزها. 
وثاني ما يتصل بالتعقيدات نفسها أن حق الكورد في تقرير المصير رهينة في يد الأميركيين، في المقام الأوّل، وفي يد الروس بدرجة أقل.
تاريخ الكورد الطويل حافل بطعنات في الظهر من جانب حلفاء غدروا بهم في أوّل منعطف على الطريق. موقف الأميركيين غير واضح حتى الآن، فلهم حسابات تركية وإيرانية، ولا تلوح في الأفق إمكانية واقعية لانتظار تفاهمات أميركية ـ روسية تسمح بإنشاء دولة كردية مستقلة.
تبقى في السياق نفسه تعقيدات تتصل بسورية، وفيها أقلية كردية لا يُستهان بها. ومع ذلك، الدولة السورية، أو ما تبقى منها (وهي معادية للكورد) ليست في وضع يمكنها من ممارسة دور لاعب رئيس أو مؤثر، في الجوار، وحتى على أراضيها. 
وبقدر ما يتعلّق الأمر بالحكومة المركزية في بغداد، فإن تداعيات ما بعد الاحتلال الأميركي، بما فيها الاحتراب الطائفي، وحربها المُكلفة على داعش، لا تبقي الكثير من أوراق القوّة في يدها بلا سند من ، وتفاهمات مع، الإيرانيين والأتراك. 
وبالعودة إلى الحساسية الأخلاقية تبرز إلى الذهن حقيقة أننا لا نستطيع أن نكون مع الحق في تقرير المصير في مكان وضده في مكان آخر. 
وينبغي لحساسية كهذه أن تحتل مكانة خاصة بالنسبة للفلسطينيين، الذين حُرموا على مدار عقود طويلة من الحق في تقرير المصير، ونالوا ما يستحقونه من تعاطف وتضامن لدى أوساط مختلفة في العالم نتيجة الاعتراف لهم بحق كهذا. 
وإذا كان ثمة من ضرورة للمقارنة فإن الكورد أكثر شعوب الشرق الأوسط شبهاً بالفلسطينيين، هؤلاء وأولئك شعب كامل الهوية والصفات، ولكنه يُحرم من حق العيش في دولة تخصه. 
والمفارقة في هذا الشأن إشارة بعض العروبيين من منتقدي حق الكورد في الانفصال إلى انقسام الكورد ، وفساد إدارتهم الذاتية في إقليم كوردستان، ويرى هؤلاء في هذين الأمرين ما لا يؤهلهم لدولة مستقلة، أو على الأقل ينتقص من حق كهذا ويبرر تأجيله. 
وهذه، في الواقع، التحفظات التي لا ينفك الإسرائيليون عن ترديدها (الكلام عن الانقسام بين فتح وحماس، وفساد السلطة) لتبرير إنكارهم لحق الفلسطينيين في الدولة المستقلة. 
ثمة مسألة إضافية، ذات حساسية خاصة، وتتمثل في احتمال أن تجد الدولة الكورد ية المستقلة نفسها في حالة تحالف موضوعي مع إسرائيل، التي أقامت جسوراً وعلاقات مع هيئات وشخصيات كوردية مختلفة على مدار عقود مضت. 
ومع ذلك، حتى هذا الاحتمال، لا يبرر التحفظ على حق الكورد في تقرير المصير، بل ربما في الاعتراف بحق كهذا ما يُسهم في جسر الهوة بينهم وبين العرب، فهم جزء من العالم العربي، ومكوّن من مكوّناته.
وطالما وصلنا إلى العالم العربي ومكوّناته، أي إلى التداعيات "النظرية" لحق الكورد في تقرير المصير، فلنقل: لم يكن لأقلية قومية في العالم العربي أن تسعى للانفصال لو كانت أيديولوجيا القومية العربية، ودولها، ديمقراطية، تقوم على قاعدة التداول السلمي للسلطة، والحق في المواطنة، والمساواة فيها، والفصل بين السلطات، والاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية والسياسية، بدلا من تحويل العروبة إلى قناع لأيديولوجيا فاشية معادية للحرية والإنسان .
قيل في الماضي عن دولة القياصرة إنها "سجن الشعوب"، والعالم العربي، على اختلاف دوله وأنظمته، سجن كبير للأقليات الدينية والقومية، وإلى هذه وتلك تُضاف جماعة عابرة للأديان والقوميات، والألوان، فلا هي عرق ولا قومية، ولا طائفة، أعني النساء. فمن المحيط إلى الخليج يوجد أكبر سجن للنساء في الكون.
والواقع أن ظروف هذا السجن تدهورت إلى حد مخيف في العقود القليلة الماضية، خاصة بعد صعود الدواعش، وحتى بعد تدمير خلافتهم، لن يزول تأثيرهم، ومَن يشبهونهم، في وقت قريب، فهم ليسوا حالة طارئة، هبطت من المريخ، بل أيديولوجيا تبنتها دول، ووطّنتها في مجتمعات، وأنفقت عليها مليارات. 
وإذا استمرت الحال على هذا المنوال ، لن يبقى أثر للأقليات في العالم العربي في النصف الثاني من هذا القرن، سواء بالهجرة، أو التهجير والتطهير، أو الانفصال في كيانات جديدة.
ومع كل هذا في الذهن، من المُستبعد أن تنجو الدولة الكوردية إذا قامت، وعندما تقوم، من علل بنيوية، ومن ميراث اجتماعي وسياسي ثقيل يعرقل احتمال النظام الديمقراطي. ولكن هذا كله لا يبرر التحفّظ، ولا ينتقص من الحق في تقرير المصير.

*كاتب فلسطيني