الاسلام السياسي في العراق نحو انقسامات وخلافات حادة جديدة

تعود الخلافات بين الاحزاب والقوى الاسلامية الشيعية الى مرحلة ماقبل سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 ، بل ابعد الى ذلك بكثير اي بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران وبدء الحرب العراقية الايرانية في بداية ثمانينيات القرن الماضي ، حيث كانت انذاك خلافات بين حزب الدعوة الاسلامية ومنظمة العمل الاسلامي بسبب مرجعية الطرفين واسلوب العمل التنظيمي والعسكري ، الا ان مع بداية الحرب العراقية الايرانية وتحديدا بتاريخ 17 تشرين الثاني 1982 ، شكل الحرس الثوري الايراني المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بقيادة الراحل محمد باقر الحكيم محاولة منه لجمع جميع القوى والتيارات الاسلامية تحت مظلة طهران لاستخدامهم في الحرب ضد نظام الحاكم في العراق انذاك ، لكن هذه المحاولة لم تفض لنتيجة بسبب عدم استعداد حزب الدعوة الاسلامية ومنظمة العمل الاسلامي بالعمل تحت مظلة المجلس الجديد نظرا للخلافات السابقة بشأن قضية ولاية الفقيه التي ارادت ايران من خلالها الهيمنة على القرار الشيعي في جميع الدول التي يتواجد فيها اتباع المذهب الجعفري ، بالاضافة ان الفصيلين الدعوة والعمل الاسلامي كانت لهما مرجعية دينية خاصة تحدد مساراتها السياسية والتعبوية.

ثم تطور الدعم الايراني للمجلس الاعلى بتشكيل لواء بدر الجناح العسكري للمجلس الذي عمل تحت قيادة الحرس الثوري الايراني خلال سنوات الحرب والى يومنا هذا ومن ثم توسعت قاعدة تلك القوة لتصبح فيلق بدر.

تحرير العراق من قبل قوات التحالف الدولي وسقوط نظام صدام ووصول احزاب الاسلام السياسي للسلطة في العراق وسع الهوة والخلافات احيانا في داخل التنظيم الواحد بذاته واحيانا اخرى بين تنظيمات مختلفة وباجندات متباينة وذلك لتضارب المصالح فيما بينها للاستحواذ على المناصب ومحاولة كل منها الهيمنة على الساحة بطرق ووسائل شتى.

 تشديد الخلافات والانقسام بدأ بحزب الدعوة الاسلامية ، في عام 1998 حدث انشقاق في صفوف حزب الدعوة وبرز قسم يسمى حزب الدعوة الاسلامية – تنظيم العراق بقيادة السيد هاشم الموسوي وكان العنزي احد القادة في التنظيم الجديد. وكان هذا التنظيم يؤمن بمبدأ ولاية الفقيه وان يكون التنظيم تحت اشراف المرجعية في ايران بصورة كاملة.

بعد سقوط الصنم حاولت قيادات الدعوة الاسلامية ان تعمل تحت مظلة حزب واحد وهو حزب الدعوة الاسلامية ، الا انه وبسبب خلافات بين قيادة المهجر وقيادات الداخل وسعي نوري المالكي للهيمنة على قرارات الحزب والمناصب الحكومية العليا انتهت الخلافات بانشقاق حزب الدعوة تنظيم العراق بقيادة عبدالكريم العنزي والقيادات الموالية له ، ومن ثم انشق ابراهيم الجعفري وعدد من قيادات الحزب ليشكلوا تيار الاصلاح ، الا ان ذلك لم يكن نهاية حالات الانقسام والتشظي حيث نشبت خلافات جديدة بين المالكي والموالين له مع جناح حيدر العبادي الذي اصبح المنافس للمالكي داخل الحزب والذي تمكن من سحب البساط من تحت المالكي بدعم امريكي وغالبية القوى السياسية التي كانت معارضة لتولي المالكي للولاية الثالثة وبالاخص الكورد والتيار الصدري.

تجاوزت الخلافات بين القوى الاسلامية الشيعية الجانب السياسي لتمتد الى نشوب خلافات وصراعات وصلت احيانا للصدام المسلح بين ابناء محافظات الوسط والجنوب والعشائر الموالية لكل منها للسيطرة على الموانئ والمنافذ الحدودية البرية مع ايران والكويت وبالاخص على المدن السياحة الدينية لما تدر من واردات كبيرة وايضا استحواذ قوى على منابع تهريب النفط الى دول الجوار ، كل هذا ادى الى تعميق الخلافات بين تلك الاطراف.

المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق الذي تم تغيير اسمه بعد سقوط النظام المباد الى المجلس الاسلامي الاعلى في العراق ، كان متجانسا نوعا ما الى ان لقى  السيد محمد باقر حكيم حتفه اثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب منه في مدينة النجف ومن ثم اختيار السيد عبدالعزيز الحكيم لتصدي رئاسة المجلس ، هذا الامر سبب امتعاضا لبعض قيادات الصف الاول التي كانت ترى انها اولى من السيد عبدالعزيز الحكيم لقيادة التنظيم ، فضلا على مخاوفها من ان تأخذ القيادة في المجلس منحى الوراثة وتستمر في دائرة عائلة الحكيم.

بعد وفاة السيد عبدالعزيز الحكيم اثر ابتلائه بمرض سرطان الرئة ، برز السيد عمار الحكيم برغم صغر سنه وعدم تجربته السياسية ليخطف قيادة المجلس مما يسمون بالصقور امثال الشيخ همام حمودي وجلال الدين الصغير وجبر صولاغ وعادل عبد المهدي وغيرهم ، تسبب هذا الامر بنشوب خلافات حادة بين قادة المجلس ، الخلافات ارغمت عمار الحكيم الى بناء تكتل شبابي داخل المجلس يعمل تحت وصايته ودعمه ماديا ومعنويا ومن الامكانيات الاقتصادية الحكومية وغير الحكومية المتوفرة لديه وتمكن تدريجيا من بناء تنظيم جديد داخل المجلس الاسلامي وهذا ما اغضب القيادات المنافسة له ، وفي النهاية انفجرت القنبلة الموقوتة داخل المجلس الاعلى عندما اعلن السيد عمار الحكيم وبشكل مفاجئ عن انفصاله عن المجلس واعلان تيار الحكمة الوطني ومن ثم التحقت به غالبية القيادات التي عمل على تنظيمها في الفترة السابقة فضلا على الاجهزة والمؤسسات الحيوية التابعة للمجلس ككتلة المواطن النيابية ومؤسسة شهيد المحراب اللتين كانتا تعدان الركيزة الاساسية ناهيك عن غالبية المسؤولين التابعين للمجلس في مجالس المحافظات والمؤسسات الحكومية الاخرى وهذا لم يعد انشقاقا للسيد عمار من المجلس الاسلامي بل توجيه ضربة قاضية ومميتة للمجلس بحيث لم يبق منه سوى الاسم وبعض القيادات السابقة والموالين لهم التي كانت على خلاف معه.

التيار الصدري ايضا لم يكن بمنأى عن الانقسام والتشظي ، حيث كان التيار يشكل حكومة داخل حكومة من 2005 الى 2010 وفي تلك الفترة نشبت حرب طائفية طاحنة والقتل على الهوية المذهبية امتدت لجميع مناطق العراق خاصة بعد تفجير مرقد الامامين والعسكريين ، حيث كان هناك خط متشدد يعمل في داخل التيار الصدري بدعم ايراني خاصة في صفوف جيش المهدي الذي اتهم بارتكاب مجازر دموية في حينها مااضطر السيد مقتدى الصدر الى السعي ومحاولة لجم تلك العصابات التي كانت تعمل تحت مظلة  جيش المهدي وتبيح دم الابرياء.

 محاولات الصدر تلك ادت الى نشوب خلافات بين قيادات التيار وحدوث انقسام بين صفوفها ما ادى في النهاية الى انفصال قيس الخزعلي من التيار وتشكيل حركة عصائب اهل الحق التي تعمل الان بشكل منفصل ولها قيادتها الخاصة وجناحها العسكري.

تلك الخلافات والانقسامات القت بظلالها على العملية السياسية برمتها في العراق وتوسعت الخلافات بين المكونين السني والشيعي وهذا بدوره شدد الخلافات بين القوى السياسية للمكونين وانقسم السنة الى فريقين ، فريق موالي للمالكي وحكومته وفريق معارض له والذي افضى فيما بعد الى تأسيس ساحات الاعتصام في الانبار من قبل قيادات سياسية ومذهبية سنية مدعومة من دول الجوار.

بعد تشكيل الحكومة العراقية الحالية في 2014 انشق "التحالف الوطني" إلى فريقين، الأول دعم حيدر العبادي لرئاسة الحكومة وهم كل من "التيار الصدري" و"المجلس الأعلى الإسلامي" وجزء من "ائتلاف دولة القانون" الموالين للعبادي، أما الفريق الثاني ضم الجزء الأكبر من "ائتلاف دولة القانون" بزعامة المالكي الذي رفض العبادي، وأصر على بقاء المالكي في الحكم، وهو ما لم يحصل.

بعد ثلاثة أعوام على تشكيل الحكومة وخروج العبادي منتصرا في الحرب ضد تنظيم داعش ، تبدو الخلافات بين المكونات الثلاثة أعمق وأكثر تعقيدا، اثر المستجدات السياسية والأمنية التي طرأت على البلاد بعد تحرير محافظات الانبار وصلاح الدين والموصل ، وكانت دعوة الحكيم إلى الاستعداد لاختيار بديل عنه لرئاسة "التحالف الوطني" مؤشرا إلى صعوبة العمل ضمن مؤسسة غير متجانسة.

ويقول النائب عن "ائتلاف دولة القانون" عباس البياتي المقرب من رئيس الوزراء العبادي "فوجئنا بإعلان الحكيم، الوقت ما زال مبكرا للحديث عن اختيار بديل، والغريب أن هذه القضية لم تناقش داخل الاجتماعات الدورية بين أعضاء الكتلة، ربما التناقض بين نواب التحالف حول قضايا نوقشت مؤخرا في البرلمان وراء السبب".

بعد عامين من الخلافات بين الأحزاب الشيعية حول من يتولى رئاسة التحالف، تم التوصل إلى اتفاق في أيلول عام 2016 يقضي باختيار الحكيم رئيسا للتحالف لعام واحد على أن يترأس التحالف لاحقا مرشح من فريق المالكي، وقبل خمسة أشهر من انتهاء المهلة جاء إعلان الحكيم مبكرا.

برغم محاولات الحكيم على إخفاء الصعوبات التي تواجه "التحالف الوطني" من اجل ضمان وحدته، إلا أن اجتماعات التحالف غالبا ما تواجه مشكلات عدة بينها مقاطعة بعض النواب مثل التيار الصدري الذي أعلن انسحابه، وعدم الالتزام بقرارات التحالف.

واختيار بديل عن الحكيم مهمة ليست بالسهلة وربما تستغرق أشهر طويلة، وبينما أعلن "ائتلاف دولة القانون" ترشيح المالكي ليكون رئيسا للتحالف، يرفض التيار الصدري ذلك بشدة.

النائب عن كتلة "الأحرار" التابعة إلى التيار الصدري غزوان فيصل قال إن "ترشيح المالكي لرئاسة التحالف يعتبر عودة إلى الدكتاتورية، ففي حكمه سقطت مدن بالكامل تحت سيطرة المتطرفين، وانتشر الفساد الإداري والمالي".

حتى عام 2014 كانت الخلافات بين مكونات التحالف تقتصر على من يترأس الحكم في البلاد، والصراع كان يدور بين مؤيد ومعارض للمالكي، ولكن الخلافات تطورت كثيرا بعد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية والصراع يدور اليوم حول ملفات سياسية وأمنية عدة.

أولى هذه الخلافات تتعلق بقوات "الحشد الشعبي"، وبرغم أنها تابعة قانونيا للحكومة إلا أنها ليست خليطا متجانسا، فالتيار الصدري يدعم فكرة رئيس الوزراء حيدر العبادي في حل هذه القوات بعد هزيمة التنظيم وتؤيدهما في ذلك المرجعية المتمثلة بالسيد علي السيستاني.

ولكن "ائتلاف دولة القانون" بزعامة المالكي يسعى للإبقاء على قوات "الحشد الشعبي" باعتبارها قوة أمنية إلى جانب الجيش والشرطة، ويؤيد ذلك الفصائل الشيعية القريبة من إيران وأبرزها منظمة "بدر"، "عصائب أهل الحق"، "كتائب حزب الله"، وحركة "النجباء"، وهذه القوات تدين بالولاء الديني للمرشد الإيراني علي خامنئي.

أما ائتلاف "المواطن" قبل انشقاقه عن المجلس الاسلامي الاعلى كان موقفه متأرجحا بين الموقفين، وهو يؤيد بقاء الفصائل الشيعية قوة أمنية تابعة إلى الحكومة، وفي الوقت نفسه فان الفصائل التابعة له مثل "سرايا عاشوراء"، "سرايا الجهاد والبناء"، و"سرايا أنصار العقيدة" لها علاقات وثيقة مع الفصائل الموالية لإيران.

نقطة الخلاف الأخرى، تتعلق بطريقة الحكم في العراق مستقبلا، يروج "ائتلاف دولة القانون" ورئيسه المالكي بقوة منذ الآن إلى مبدأ الأغلبية السياسية في الانتخابات المقبلة عبر توحيد القوى الشيعية، ويسعى لاستثمار شعبيته والتحالف مع الفصائل الشيعية القريبة من إيران لتحقيق ذلك.

لكن التيار الصدري يرفض تشكيل حكومة غالبية داخل "التحالف الشيعي"، وفي الآونة الأخيرة بدأ يتقرب من القوى المدنية والليبرالية مبتعدا عن الأحزاب الشيعية التقليدية ، والذهاب نحو المحور العربي في المنطقة المتمثلة بدول الخليجية وبالاخص السعودية التي زارها السيد مقتدى الصدر في الآونة الاخيرة.

أما الحكيم في هذه القضية له رؤية اخرى تختلف عن نظام الاغلبية السياسية أطلق عليها اسم "الأغلبية الوطنية" التي تعتمد على كتل سياسية ليست مذهبية، وهي فكرة صعبة التحقق في الوقت الراهن بسبب الانقسامات الحادة داخل الأحزاب الشيعية والسنية والكوردية.

بلا شك أن الانتخابات التشريعية المقبلة مطلع العام المقبل ستكون حساسة ومصيرية، وتمثل اختبارا مهما لمستقبل العراق لمرحلة ما بعد الدولة الإسلامية، كما أنها ستشهد خلافات هي الأعمق داخل التحالف الشيعي الذي حكم البلاد على مدى عقد من الزمن، فهل سيصمد هذا التحالف في الانتخابات المقبلة؟ نترك الجواب لما تخفي لنا الساحة السياسية العراقية من تطورات ومستجدات وانقسامات بين جميع القوى المشاركة في العملية السياسية.