إيران في مصيدة العنف

 

حققت إيران فوزا ثمينا في أوراقها التفاوضية في التحالف مع الغرب ضد الإرهاب والتوصل إلى اتفاق جنيف معه حول أسلحتها النووية ورفع الحصار الاقتصادي الجزئي عنها وعدم فرض عقوبات جديدة عليها، كما حصدت ربحاً صافياً بسبب وجود داعش بالمنطقة، والذي سمح لها بالتمدد في دول الإقليم بحجة محاربتها للإرهاب واعتناق الكثيرين المذهب الشيعي نتيجة جرائم داعش، لكنها بدأت بدفع أول الأثمان بضرب داعش لقلب شرعيتها السياسية والدينية، والتي تشكل رمزية شديدة الخطورة ضربت إيران في مقتل. واستهداف مجلس الشورى هو استهداف لشرعيتها الشعبية السياسية، واستهداف ضريح الخميني في ذكرى وفاته هو استهداف لشرعيتها الدينية.

الفعل الإرهابي الذي أصاب إيران رغم عدم ضخامته العسكرية من حيث عدد الضحايا، شكل ضربة مؤلمة لصورة الأمن والاستقرار والمناعة ضد الإرهاب التي تتفاخر بها إيران كدليل على وحدة الصف الداخلي حول نظام ولاية الفقيه، خصوصا مع ما أشار إليه رضا سيف الله، نائب الأمين العام للمجلس القومي الأعلى للأمن، إن المهاجمين الستة “إيرانيون انضموا إلى داعش في مكان ما في إيران”. فالعمليات المنفذة كشفت تطورا نوعيا للتنظيم الإرهابي وأنه مازال قادرا على الهجوم رغم خسائره الكبيرة في العراق وفي سوريا، وتوجيه التنظيم أول تهديد بمهاجمة إيران عبر شريط فيديو بثه باللغة الفارسية، معلناً أن تشكيل قوة عسكرية مكلفة باستهداف المؤسسات الإيرانية يشكل نقلة نوعية للتنظيم ستقدم له استقطاباً جديداً للمتطوعين.

تنفيذ العملية واستهداف إيران في قلب شرعيتها وبأيدي مواطنيها ينذر بتداعيات شديدة الخطورة على الداخل وعلى السياسة الإقليمية الإيرانية. داخلياً ستسعى إيران لزيادة التشديد على الشارع السني خصوصاً في ولاية سيستان وبلوشستان على مقربة من الحدود مع باكستان، ولتصعيد العداء مع المعارضة الإيرانية على غرار مجاهدي خلق الذين ازدادت كثافة حضورهم في الشوارع الإيرانية خلال المنافسات الانتخابية عبر كتابة الشعارات المناهضة للنظام الإيراني على الجدران والمؤيدة لمشروع مريم رجوي.

ومع اقتراب إيران من أزمة خلافة علي خامنئي التي تنذر بمرحلة وشيكة من الفوضى والفراغ السياسي، ما يعني أن حسن روحاني الرئيس المعتدل سيكون أكثر تشدداً داخلياً.

في مستوى السياسة الإقليمية فإن ما نشره الحرس الثوري من بيان ربط فيه الهجومين بزيارة دونالد ترامب للملكة العربية السعودية وتهديده بالانتقام، يشير إلى خروج إيران عما تحاول تجنبه من تصعيد علني مع السعودية، وبالتالي زيادة دعمها للأنشطة العسكرية الشيعية والضغط على وكلائها المحليين في السعودية والبحرين وغيرها لشن هجمات ضد حكومات هذه الدول، عدا عن اتخاذها من هذه الضربة الإرهابية ذريعة لزيادة وجودها العسكري وتكريس المزيد من الموارد في سوريا والعراق لتحقيق سعيها في فتح الطريق البري من طهران إلى بيروت.

مصالح إيران في التوسع وما خلّفته من أضرار لدول المنطقة، وفشل منظومة الأمن الإيراني والحرس الثوري في ردع الإرهاب من اقتحام أسوارها الحصينة، هي دليل على أن داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية لن تبقى خارج الحدود الإيرانية. وقد كان على إيران أن تدرك أن الزحف الشرس لعنفها الديني السياسي بتوجهاته المدعومة من نص الدستور الإيراني لن يجعلها بمأمن، فالعنف الديني لا يمكن استخدامه كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية وجعلها مقدسة أو لتمرير الأجندات الإقليمية أو توظيفه في استقطاب المتطوعين، لأنه كان دائماً مروّعاً في مختلف مراحل التاريخ، ولن يبقي إيران خارج مصيدة هذا العنف.

*كاتبة سورية