نحو خلق حالة توازن في السياسة الكوردية

مما لا شك فيه أن نمو وتقدم أي بلد، يقاس بمدى قدرته على دمج المرأة في قضايا المجتمع، بما فيها المشاركة في صنع القرار السياسي، والذي هو عنصر مهم من عناصر ممارسة العملية الديمقراطية. ومن هنا، لا مناص من طرح هذه التساؤلات: هل المرأة الكوردية حاضرة في صنع القرار السياسي والمشاركة فيه؟. إن كانت الاجابة لا، فما هي مخاوفها من الخوض في العمل السياسي؟. هل ترى المرأة في مشاركتها خروجاً عن المألوف، وأمراً لا يتقبّله مجتمعٌ يسيطر عليه المفهوم الذكوري الذي يرى أن للسياسة رجالاتها؟ ولا درايةَ للنساء بقواعد اللعبة السياسية؟!. هل يتحمّل الرجل فقط  أو الأطر السياسية مسؤوليةَ غيابها في ظل هذه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي وقت خرج العمل من نفق السرية الى العمل العلني وفضاءاته، وفي مرحلة حساسة كالتي يمرّ بها الشعب الكوردي عامة وكوردستان سوريا على وجه الخصوص؟. ألم يحنِ الوقتَ لتتبوأ المرأةُ نسبةً مهمة في المؤسسات والأطر السياسية، وتكون شريكة فاعلة في صنع القرار، وتخرج من نطاق حضورها كأسماء وكحالة فردية؟.

أهمية مشاركة المرأة في العمل السياسي، والمطالبة بحقوق شعبها لنيل الحرية، والوقوف في وجه كل أشكال الظلم، لا يقل أهميةً من مشاركة الرجل ولربما أكثر. كونها تخدم فكرة المساواة، ليس فقط بين الرجل والمراة، بل بين جميع المواطنين. مشاركتها في العمل السياسي هو مؤشر ودلالة على ممارسة الديمقراطية، ونمو وتيرة المجتمع. ولكي تكون المرأة ناجحة في خوض هذا المضمار، عليها أن تكون قبل كل شيءٍ ملمّة بالشأن العام، وبالسياسي بشكل خاص. ومن ثم تبدأ بالانخراط في النشاطات الحزبية، إن وجدت حزباً يمثّل تطلّعاتها، وقناعاتها، أو النشاط السياسي كمستقلة، دون الالتزام بنهج حزبي، وإنما في إطار عمل سياسي عام. وكي نكون منصفات، علينا القول: إن المرأة الكوردية أهملت نفسها كثيراً، من ناحية تكوين شخصيتها ومعرفة قدراتها الذاتية. ما أدى إلى غيابها عن التنظيمات والأطر السياسية. وهي مسؤولية لا يتحمّلها الرجل فقط. ولكن للأحزاب والقوى السياسية دور كبير في تعزيز مشاركتها. وهذا أيضا يعتمد على عواملٍ عدة، من أهمها؛ بذل الكثير من الجهد لاستقطاب نساء فاعلات وكفوءات، وتمكينهن ومساعدتهن في إزالة كل العراقيل التي تحول دون مشاركتهن في ممارسة العمل السياسي.

قبل الخوض في موضوع غياب المرأة الكوردية عن المشهد السياسي أو ضعف هذه المشاركة، لابدّ من التطرّق إلى مخاوف المرأة من ممارستها هذا العمل المضني. وفي هذا الإطار، لابدّ من القول: إن أهم أسباب عزوفها عن المشاركة يعود للعامل الاجتماعي، ودور الأعراف والتقاليد في الحد من إدخال المرأة إلى عالم السياسة، والموروث الثقافي الذي رمى بثقله على كافة فئات المجتمع. حيث رسّخ سلطة الرجل، وحدد دور المرأة ضمن الأسرة. الأمر الذي قلل من ثقتها بنفسها، وبأهمية قدراتها في صنع القرار، والمشاركة فيه. و السبب الثاني للعزوف السالف الذكر، يعود إليها نفسها، وهو فقدانها الثقة بقدراتها على منافسة الرجل، رغم نشاط بعضهن الملحوظ في هذا الإطار. وأيضاً عدم تحمّل أعباء العمل السياسي، وتداعياته، كالملاحقة والاعتقال على سبيل المثال لا الحصر. إلا أن كل هذه العراقيل التي تعترض طريقها، لم تمنع المرأة الفاعلة حزبياً وسياسياً من الخوض، بحزم وإرادة قويتين، في عالم السياسة، وتفضيلها الجانب القومي على الجانب الذاتي. حيث أنها رأت في مشاركتها في العمل والنضال للحصول على حرية وحقوق شعبها انتصاراً حقيقياً وإثباتاً لقدراتها في هذا المضمار، حتى وإن كان ذلك كحالة فردية ضمن الأطر الحزبية. ولا ننسى أيضاً العامل الاقتصادي، وافتقار المرأة لسبل الاستقلال المادي  بوصفه سبباً في غيابها عن المشهد السياسي.

بعد انطلاق الثورة السورية، وبالرغم من مشاركة المرأة الكوردية في الحراك السلمي الثوري في الأول من نيسان عام 2011، حينما بدأت المظاهرة الأولى في مدينة قامشلو، والمناطق الكوردية عامةً، وانخراطها في التنسيقيات، ومساهمتها في تأسيس جمعيات واتحادات، كظاهرة إيجابية وصحية، إلا أن هذه المشاركة اقتصرت على الجانب المدني منه أكثر من السياسي. مع أن السياسة ألقت بظلالها على كل مناحي الحياة. وهنا، لا بدّ من القول: إن نشاطها ضمن المنظمات النسائية، كان مهمّاً للتعريف بحقوقها، والانتهاكات التي تحصل بحقها.

إذا اتخذنا المجلس الوطني الكردي إطاراً سياسياً يضمّ العديد من الأحزاب والتنسيقيات الكوردية، كنموذج  في تمثيل نسبة محددة في المشهد السياسي الكردي في سوريا، والذي تأسس في 26 من شهر تشرين الاول عام 2011، بعد سبعة أشهر من عمر الثورة السورية، (على الرغم من قدم تأسيس أحزابها والذي يعود بعضها إلى خمسينيات القرن الماضي) ضم في البداية أحد عشر حزباً وعدة تنسيقيات شبابية، نجد أن دور المرأة سياسياً اقتصر على التعبئة والتأطير وعلى النشاطات والأعمال التضامنية فقط. حيث أن تمثيل المرأة  كان 7% من أصل 250 عضواً. وهذه النسبة كانت في الدورة الأولى للمجلس. أما في الدورة الثانية والتي عُقدت بتاريخ 14 أب 2012 فقد ارتفعت هذه النسبة الى 14% من أصل 200 عضو. وتم انتخاب امرأة نائباً لرئيس المجلس. أما على مستوى الاتفاقيات أيضاً، لم يكن لها أي دور في كافة الاتفاقيات التي أبرمت في هولير –دهوك. بينما في الدورة الثالثة للمجلس في16/5/2015، وبحضور 264 عضواً لم ترتقِ المرأة إلى نسبة تخدم تمثيلها في الأمانة العامة، والمجالس المحلية أو على المستوى المطلوب. وفي انتظار انعقاد الدورة الرابعة والتي لن تكون مختلفة  كثيراً عن سابقاتها.

هذا الغياب في المشهد السياسي لم يقتصر على المجلس الوطني الكوردي  ككيان يضم  العديد من الأحزاب فحسب، وإنما على غالبية الأحزاب الكوردية، سواء حديثة التأسيس، في ظل الثورة السورية، أو القديمة التي تمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة. ضعف مشاركة المرأة في المشهد السياسي الكوردي يحرمانها من فرص التدريب والتمكين وتنمية شخصيتها وإبراز قدراتها كشريكٍ فاعل وقوي في اتخاذ قرارات مصيرية تخصّ حاضر ومستقبل بلدها. وبالتالي، يقلل من فرص بروز قيادات نسائية كاريزمية كثيرة، لنصل فيها إلى مرحلة أن نرى فيها الحضور النسائي فيها أمراً جد عاد، واستثنائي على مستوى الكثافة، وليس محصوراً في بعض الأسماء التي تحوّلت إلى أيقونات. وليس انتقاصاً من دورهن الريادي والنضالي، ولكن، ثمة حقيقة لا مناص من الإقرار بها، وهي؛ إن غياب المرأة عن الحراك السياسي الكوردي، من الطبيعي أن يدفع ببعض الأسماء النسائية القليلة إلى الواجهة.

مقصد القول: إذا كان من الصعب أن تصبح مشاركة الرجل في السياسة حدثاً استثنائياً، وعلى نطاقٍ محدود، وسط طغيان الحضور النسائي الكوردي، أقله أن نحاول خلق حالة من التوازن بحيث تخرج السياسة الكوردية من نفق الزعامات الاستثنائية؛ الذكورية منها والانثوية .