جنرالاتنا وجرائم الحرب
كوردی عربي فارسى
Kurdî Türkçe English

أخبار أراء التقارير لقاءات اقتصاد ملتميديا لايف ستايل الرياضة ثقافة و فنون
×

جنرالاتنا وجرائم الحرب

استوقفني خبر محاكمة «آخر النازيين» في ألمانيا قبل أيام، ولأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، فبعد 76 عاما من مساعدته على قتل آلاف الضحايا، نال الحارس النازي السابق برونو البالغ من العمر الآن 93 عاما عقوبة بالسجن لمدة سنتين مع إيقاف التنفيذ، إذ حضر المجرم الى المحكمة وقدم اعتذارا وتمنى عدم تكرار ما حدث من جرائم مرة أخرى، وكان برونو بعمر 17 سنة عندما جند في القوات الخاصة النازية (أس .أس) وعمل في معسكر الاعتقال شتوتهوف النازي الذي يقع اليوم في الاراضي البولندية، حيث ساعد في جرائم قتل آلاف المعتقلين.
انتابتني مشاعر متضاربة نتيجة تزامن محاكمة العجوز النازي، الذي اعتذر عن جرائمه، مع موجة الاحتفاء الكبير والتأبين الذي ملأ صفحات التواصل الاجتماعي بمشاعر الحزن والتعزية بوفاة أحد جنرالات نظام صدام، وهو الجنرال سلطان هاشم أحمد الطائي، آخر من شغل منصب وزير الدفاع في نظام صدام حسين، الذي كان يحمل الرقم 27 في قائمة كبار المطلوبين من قادة نظام صدام، كما يحمل رقم 8 مع القلب الاحمر علامة (كوبا) في كروت اللعب التي أصدرتها القوات الأمريكية عشية غزو العراق، والذي حكمت عليه المحكمة الخاصة بجرائم النظام السابق، في دعوى جرائم الحرب في حملات الانفال سيئة الصيت، بالإعدام في 23 حزيران /يونيو عام 2007 ولم ينفذ فيه الحكم، وبقي الجنرال في محبسه حتى توفي قبل ايام عن عمر 75 عاما.
وذكر عدد ممن تناولوا سيرة سلطان هاشم إنه كان مهنيا وعسكريا محترفا، وبالتالي هو لا يتحمل جناية ما ارتكبه من جرائم حرب لأنه، بحسب هذا الادعاء، كان منفذا لأوامر القيادة السياسية وغير مسؤول عنها جنائيا، وهذا أمر إشكالي بامتياز، وقد تم تجاوزه فقهيا وقانونيا منذ عقود، إذ دافع محامو الدفاع عن مجرمي الحرب العالمية الثانية في نورمبيرغ وطوكيو بالقول، «إن القانون الدولي يهتم فقط بأعمال الدول ذات السيادة، وبالنتيجة فإنه لا يفرض عقوبات على الأفراد. بالإضافة إلى ذلك عندما يكون ذلك العمل من أعمال السيادة، فإن أولئك الذين يتولون تنفيذه لا يمكن مساءلتهم، لاحتمائهم تحت نظرية سيادة الدولة».
لكن رد القانون الدولي كان واضحا في محاكمات جرائم الحرب العالمية الثانية، ولم تكتف المحكمة برفض نظرية (عمل الدولة) بل إنها ذهبت أبعد من ذلك عبر التأكيد على إن الالتزامات الدولية المفروضة على الأفراد، تلغى واجباتهم في الطاعة تجاه حكوماتهم الوطنية. وقد نصت المادتان (6 ـ8) من لائحة محكمة نورمبرغ، والمادتان (5 ـ 7) من لائحة محكمة طوكيو، على أن الأفراد هم المسؤولون عن الأفعال الإجرامية المنصوص عليها في هاتين المحاكمتين.

كما أن نطاق القانون الدولي الجنائي تشدد في هذه المسألة في العقد الأخير من القرن العشرين، نتيجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وما نجم عنه من ارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب في كل من يوغسلافيا ورواندا، فكانت هناك ضرورة ملحة لتأكيد هذا المبدأ والعمل به، وبالفعل تم النص عليه في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافياعام 1993، والمحكمة الدولية لرواندا عام 1994، إذ أكد النظام الأساسي للمحكمتين المسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الطبيعيين.
تمت محاكمة جنرال كان يعمل قائدا للفيلق الأول عام 1988، وقد اعترف بقيادته لعمليات الإبادة المعروفة باسم الأنفال حينها، وذلك بإرساله برقية إلى الرئيس صدام حسين يبشره فيها بالقضاء على المتمردين، إذ يقول له في البرقية المؤرخة 19 آذار/مارس 1988 التي نشرتها جريدة «الثورة» البغدادية الحكومية حينها: «أزف إليكم انتصار القطعات المشاركة في عملية الأنفال على فلول بعض عملاء إيران». ويشير في نهاية البرقية إلى إن النصر تم بتوجيهات نائب القائد العام، وزير الدفاع الفريق الأول عدنان خير الله، ورئيس اركان الجيش الفريق نزار الخزرجي، إلا إن رئيس الأركان حينها الفريق نزار الخزرجي، نفى علمه بالأمر في بداية هروبه من عراق صدام وانضمامه للمعارضة العراقية منتصف التسعينيات، ثم نفى حدوث جريمة الأنفال، وجريمة القصف الكيماوي لمدن كردستان جملة وتفصيلا بعد ذلك، هذا الجنرال المنزوي اليوم في منفاه الدنماركي لم ينله أي عقاب على جرائم الحرب، التي تقع على عاتقه، حتى الآن، وقد استغرب عدد من الجنرالات مثل الفريق حسين رشيد والفريق سلطان هاشم، الذين حوكموا في المحكمة العراقية الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، بينما لم توجه أي اتهامات لرئيس أركان الجيش المسؤول الفعلي عن إصدار الأوامر حينها، مع العلم أنه كان في قبضة الأمريكيين، وهذا موضوع آخر ساتناوله في مقال لاحق، أبين فيه دور هذا الجنرال وتقلباته.
ولطالما كان الموقف من الفريق سلطان هاشم أحمد ملتبسا ومحيرا، ويبدو أن هنالك الكثير من الأسرار التي لم تكشف حتى الآن، إذ إنه سلم نفسه للقوات الأمريكية المتواجدة في العراق بعد ثلاثة أشهر من إطاحة نظام صدام حسين في مدينته في الموصل في مزرعة أخ صدام حسين سبعاوي إبراهيم الحسن مدير الأمن العام السابق، وقيل حينها في ما أعلنته عائلة سلطان هاشم احمد الطائي، إن الجنرال ديفيد بترايوس قائد الفرقة 101 المحمولة جوا، هو الذي أشرف على عملية استسلامه في الموصل، وإن هنالك صفقة، أو وعد من الأمريكيين بإسقاط التهم عنه، ورفع اسمه من قائمة كبار نظام صدام المطلوبين كمجرمي حرب.
لكنه سرعان ما أحيل الى المحكمة الخاصة في قضية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي ارتكبتها القوات التي كان يقودها سلطان هاشم، قبيل نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وهي قوات مختلطة بين القوات النظامية وقوات من المرتزقة القبليين الكورد المعروفين بالافواج الخفيفة (الجحوش) التي كانت تقاتل إلى جانب النظام ضد أبناء قوميتهم، وقد أدانت المحكمة سلطان هاشم وحكمته بالإعدام في يونيو 2007، إلا أن الحكم لم ينفذ نتيجة رفض الأمريكيين تسليم الجنرال المدان للجانب العراقي الذي كان بحوزتهم هو وكبار رموز نظام صدام.
وقد ورد اسم سلطان هاشم في 15 وثيقة من وثائق ويكيليكس المسربة، وأغلبها كانت تدور حول رفض الامريكيين تسليمه للجانب العراقي، كما تضمنت إحدى الوثائق المسربة رسالة من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، موجهة الى الرئيس جورج بوش يطالبه بالتدخل في الأمر، لكن يبدو أن الامريكيين أصروا على رفض تسليم الجنرال، وهذا الامر منع تنفيذ حكم الاعدام بالرجل حتى عام 2011 حين سلم للعراقيين، وكانت حينها الكثير من المياه قد جرت تحت الجسور، وتغير موقف المالكي، وبات يجمع الملفات على خصومه السياسيين، ولم يبت بأمر إعدام الرجل، وبقي نزيل سجن الحوت في الناصرية حتى وفاته فيه قبل أيام.
المفارقة الاخرى ان تحركات قوى سنية عراقية قادها رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، حاولت إطلاق سراح الجنرال المحكوم بالإعدام في أيار/مايو 2018، وتم التحرك حينها على رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ورئيس الوزراء حيدر العبادي لتسوية إطلاق سراح الرجل لأسباب صحية، وتزامن الحدث مع قرب الانتصار النهائي على تنظيم «داعش» إذ صرح الجبوري قائلا، «ونحن مقبلون على استحقاق تاريخي يحدد مستقبل البلاد، ويؤسس لمرحلة الإعمار والتعايش والاستقرار، يدفعنا الشعور بمسؤولية التضامن من أجل تحقيق هذا الهدف لدعوتكم كل من موقعه وانطلاقا من صلاحياته الدستورية لإصدار عفو خاص عن السيد سلطان هاشم، وزير الدفاع العراقي الأسبق بعد تدهور حالته الصحية في السجن». وأشار الجبوري إلى أنه، «تلقى مناشدة من عائلته مشفوعة برجاء من نخب موصلية مرموقة، كبادرة إيجابية تتلاءم مع أهمية وفضيلة شهر رمضان المبارك» راجيا «أخذ هذا الطلب بعين الاعتبار وضمن حسابات المصلحة العامة» لكن الصفقة لم تتم ولا أحد يعرف الكثير عن خفايا الأمر حتى الان.
المضحك المبكي في عراق اليوم، أن جنرالا أدانه القضاء العراقي وحكم عليه بالموت، ونتيجة الكثير من التدخلات والملابسات لم يتم تنفيذ الحكم، ومع ذلك تصدر الكتلة السياسية السنية الأبرز، وهي تحالف القوى العراقية في 20 تموز/يوليو الجاري، بيانا رسميا تؤبن فيه الجنرال المتوفى وتصفه بأنه كان، «عنوانا للعسكرية العراقية الوطنية والمهنية الخالصة، وقاد الجيش العراقي في أصعب معارك الدفاع عن حدود العراق وتحرير أراضيه». فلو حصل هذا الامر في اي بلد تحترم فيه المنظومة القضائية، لأحيل نواب هذه الكتلة للمحاكمة بتهمة إهانة القضاء وأحكامه ودفاعهم عن مجرم حرب مدان.